ابن قيم الجوزية

241

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

قالوا : وأما من ترك الجمعة عمدا : فإنما أوجبنا عليه الظهر . لأن الواجب في هذا الوقت أحد الصلاتين ولا بد ، إما الجمعة وإما الظهر . فإذا ترك الجمعة فوقت الظهر قائم . وهو مخاطب بوظيفة الوقت . قالوا : ولا سيما عند من يجعل الجمعة بدلا من الظهر . فإنه إذا فاته البدل رجع إلى الأصل . وهذا إن كان القضاء ثابتا بالإجماع أو بالنص . وإن كان فيه خلاف ، أجبنا بالجواب المركب . فنقول : إن كان ترك الجمعة مساويا لترك الصلاة حتى يخرج وقتها ، فالحكم في الصورتين واحد . ولا فرق حينئذ ، عملا بما ذكرنا من الدليل . وإن كان بينهما فرق مؤثر بطل الإلحاق ، فامتنع القياس . فعلى التقديرين بطل القياس . قالوا : وأما تأخير النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس : فللناس في هذا التأخير - هل هو منسوخ أم لا ؟ - قولان : فقال الجمهور - كأحمد والشافعي ومالك - : هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ بصلاة الخوف ، وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين ، فلا يجوز اعتبار الترك المحرم به . ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم والناسي ، وتأخير المفرط ، بل أولى . فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به . فهو كتأخير المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة . القول الثاني : إنه ليس بمنسوخ . بل هو باق . وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال . واشتغاله بالحرب والمسايفة ، وفعلها عند تمكنه منها . وهذا قول أبي حنيفة ، ويذكر رواية عن أحمد . وعلى التقديرين : فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به . وكذلك تأخير الصحابة العصر يوم بني قريظة . فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل العلم ، كأهل الظاهر ، أو تأخيرا سائغا للتأويل عند بعضهم . ولهذا لم يعنف النبي صلى اللّه عليه وسلم من صلاها في الطريق في وقتها ، ولا من أخّرها إلى الليل حتى صلاها في بني قريظة ، لأن هؤلاء تمسكوا بظاهر الأمر ، وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم ، وهو سرعة السير . واختلف علماء الإسلام في تصويب أي الطائفتين . فقالت طائفة : لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد ، وعقلوا مقصود الأمر . فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدو . ولم يفتهم مشهدهم . إذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به ، لما اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة . قالوا : فهؤلاء أفقه الطائفتين ، جمعوا بين الامتثال والاجتهاد . والمبادرة إلى الجهاد ، مع فقه النفس . وقالت طائفة : لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة . فهم الذين أصابوا حكم اللّه قطعا . وكان هذا التأخير واجبا ، لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم به . فهو الطاعة للّه ذلك اليوم خاصة ، واللّه يأمر بما يشاء . فأمره بالتأخير في وجوب الطاعة كأمره بالتقديم . فهؤلاء كانوا أسعد بالنص . وهم الذين فازوا بالأجرين . وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل والاجتهاد ،